الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
322
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أفراده في المقام الخطابي ، أي من تمحضت حالته للحسنات أو كانت غالب أحواله كما يقتضيه قوله وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ، وكذلك الذي كانت حالته متمحضة للسيئات أو غالبة عليه ، كما اقتضاه قوله فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ . و خَيْرٌ مِنْها اسم تفضيل اتصلت به ( من ) التفضيلية ، أي فله جزاء خير من حسنة واحدة لقوله تعالى في الآية الأخرى فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [ الأنعام : 160 ] أو خير منها شرفا لأن الحسنة من فعل العبد والجزاء عليها من عطاء اللّه . وقوله وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ تبيين قوله آنفا إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ النمل : 87 ] . وهؤلاء هم الذين كانوا أهل الحسنات ، أي تمحضوا لها أو غلبت على سيئاتهم غلبة عظيمة بحيث كانت سيئاتهم من النوع المغفور بالحسنات أو المدحوض بالتوبة ورد المظالم . وكذلك قوله وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ، أي غلبت سيئاتهم وغطت على حسناتهم أو تمحضوا للسيئات بأن كانوا غير مؤمنين أو كانوا من المؤمنين أهل الجرائم والشقاء . وبين أهل هاتين الحالتين أصناف كثيرة في درجات الثواب ودركات العقاب . وجماع أمرها أن الحسنة لها أثرها يومئذ عاجلا أو بالآخرة ، وأن السيئة لها أثرها السيئ بمقدارها ومقدار ما معها من أمثالها وما يكافئها من الحسنات أضدادها فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً [ الأنبياء : 47 ] . وقرأ الجمهور مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بإضافة فَزَعٍ إلى ( يوم ) من يَوْمَئِذٍ وإضافة ( يوم ) إلى إذ ففتحة ( يوم ) فتحة بناء ، لأنه اسم زمان أضيف إلى اسم غير متمكن ف فَزَعٍ معرف بالإضافة إلى ( يوم ) و ( يوم ) معرف بالإضافة إلى ( إذ ) و ( إذ ) مضافة إلى جملتها المعوض عنها تنوين العوض . والتقدير : من فزع يوم إذ يأتون ربهم . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين فَزَعٍ ، و يَوْمَئِذٍ منصوبا على المفعول فيه فيه متعلقا ب آمِنُونَ . والمعنى واحد على القراءتين إذ المراد الفزع المذكور في قوله فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [ النمل : 87 ] فلما كان معينا استوى تعريفه وتنكيره . فاتحدت القراءتان معنى لأن إضافة المصدر وتنكيره سواء في عدم إفادة العموم فتعين أنه فزع واحد . والكب : جعل ظاهر الشيء إلى الأرض . وعدي الكب في هذه الآية إلى الوجوه دون بقية الجسد وإن كان الكب لجميع الجسم لأن الوجوه أول ما يقلب إلى الأرض عند الكب كقول امرئ القيس :